أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

326

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

إسداء صاحبه إليه . وقيل : الشكر مقلوب من الكشر : وهو الكشف . ومنه : كشّر عن أنيابه . وكاشره بالعداوة . وقيل : أصله : عين شكري ، أي ممتلئة . فالشّكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه . ثم الشكر على ثلاثة أضرب : شكر بالقلب ؛ وهو تصور النّعمة من مسديها والاعتراف بها . وشكر باللسان ؛ وهو الثناء على المنعم والبداءة عليه . وشكر بالجوارح ؛ وهو مكافأة المنعم بقدر استحقاقه . وهذا النوع يستحيل من قيام العباد لله ، ومنه الصلاة شكر لله . قال تعالى اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً « 1 » فشكرا على هذا تمييز . والتقدير على هذا : اعملوا ما تعملونه شكرا لله تعالى . وقيل : شكرا : مفعول لقوله : اعْمَلُوا . وقيل : مفعول له ، وإنما قال : اعملوا ، ولم يقل : اشكروا ، تنبيها على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب ، واللسان ، والجوارح ، ومن ثمّ قال بعضهم : الشكر تصور النعمة بالجنان ، وذكرها باللسان ، والعمل لها بالأركان . وإلى الأنواع الثلاثة أشار الشاعر بقوله : [ من الطويل ] أفادتكم النعماء منيّ ثلاثة : * يدي ولساني والضّمير المحجّبا قوله تعالى : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ « 1 » فيه تنبيه على أنّ توفية شكر اللّه تعالى صعب أو ممتنع . ولذلك لم يثن بالشكر على أوليائه إلا على اثنين : الأول خليله إبراهيم في قوله : شاكِراً لِأَنْعُمِهِ « 2 » . الثاني نوح في قوله : إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً « 3 » . وقيل : إنما قال تعالى : الشَّكُورُ بصيغة المبالغة دون « شاكر » ، لأن الشاكرين غير قليلين . وأما المبالغون في الشّكر فقليلون . ويحكى أنّ عمر رضي اللّه عنه سمع رجلا يقول في دعائه « اللهمّ اجعلني من عبادك القليل . فقال : يا أخي ما هذا الدّعاء ؟ قال : يا أمير المؤمنين سمعت اللّه تعالى يقول : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ فأنا أطلب أن أكون من أولئك القليل . فقال : كلّ الناس أعلم من عمر » .

--> ( 1 ) 13 / سبأ : 34 . ( 2 ) 13 / سبأ : 34 . ( 3 ) 121 / النحل : 16 . ( 4 ) 3 / الإسراء : 17 .